حيدر حب الله

148

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

كلا ، بل بالعكس ، فقد كنت وما أزال من الداعين لهذه العلوم ، بل ولبسطها وتوسعتها أكثر فأكثر ، لكن ما أقوله هو أنّ هذه العلوم تعالج الواقعيّات ، وهي مناهج في البحث العلمي الذي يدرس الحقائق وواقعيّات الأشياء ، تماماً كالعلوم الطبيعية ، لكنّ استخدام هذه المناهج والطرق والآليات في فضاء معرفي مختلف هو المشكلة . فالنصوص الدينية - لا سيما القرآن الكريم - هي نصوص أدبيّة بامتياز ، تقوم على البلاغة والبيان والبديع وجمال الأسلوب واللفظ والمعنى والإيقاع وغير ذلك ، والنصوص الدينية تحكي عن الواقعيات ، لكنّها تحكي عنها بطريقة تختلف عن ( لغة ) العلوم والمنطق والفلسفات وطرائق عرضها وأساليب قضاياها وأشكال تنظيمها للأقيسة والبراهين ، فلا أقول - وأرجو التدقيق جيداً - : تعالوا لنترك الفلسفة والعقليّات ومناهج البحث العلمي المعاصر ، ولا أقول : إنّ القرآن لا يحكي عن الواقعيّات ، كما قالها بعض المسيحيين حول الإنجيل وقالها بعض المسلمين حول القصص القرآني ، وإنّما أقول : إنّ ( لغة ) القرآن والسنّة ليست - في الغالب على الأقلّ - ( لغة ) الفلسفة والعلم ، وإن تعرّضت للموضوعات التي تعرّضت لها الفلسفة والعلوم أحياناً ، فنحن هنا في ( اللغة ) لا فيما ( تحكي عنه اللغة ) ، فليتأمّل جيداً . هنا من الطبيعي أن تسألني : إذا لم يكن من الصحيح أن نفسّر القرآن ونشرحه كما نفسّر نصوص كتاب الإشارات والتنبيهات لابن سينا ، وإذا لم يكن من الصحيح أن نفسّر الأحاديث النبويّة ونشرحها كما نفسّر ونشرح نصوص كتاب كفاية الأصول للشيخ الخراساني أو مختصر ابن الحاجب ، فما هي الطريقة إذاً ؟ ! لا شك أنّ هذا السؤال مهمّ للغاية ، وهناك وجهات نظر كثيرة في هويّة اللغة